مصطفى صادق الرافعي

87

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ولسنا نريد أن نخوض في الكشف عن مبدأ انتشار العلوم النظرية والعلل الباعثة عليها ، ومن كان مع أهلها من الخلفاء ومن كان عليهم فلذلك موضع في كتاب التاريخ هو أملك به وأوفى ، غير أننا نوثق الكلمة في أن القرآن الكريم هو كان سبب العلوم الإسلامية ومرجعها كلها - بأنه ما من علم إلا وقد نظر أهله في القرآن وأخذوا منه مادة علمهم أو مادة الحياة له ، فقد كانت سطوة الناس في الأجيال الأولى من العامة وأشباه العامة شديدة على أهل العلوم النظرية ، إلا أن يجعلوا بينها وبين القرآن نسبا من التأويل والاستشهاد والنظر ، أو يبتغوا بها مقصدا من مقاصده ، أو يريغوا معنى من معاني التفقه في الدين والنظر في آثار اللّه ، إلى ما يشبه ذلك مما يكون في نفسه صلة طبيعية بين أهل العقول والبحث وأهل القلوب والتسليم « 1 » .

--> مجالس العلم ومقاعد الأدب ، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء ، ومن جمع القرآن وروى الحديث وتفقه في العلم واستبحر ، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء ؛ وليكن ذلك بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر من المعروفين به من علماء عصركم وفضلاء دهركم ، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم فإن اللّه تعالى يقول : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . وهم أهل العلم . قال ابن المبارك : فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن ولا سابقا للخيرات ولا حافظا للمحرمات في أيام بعد أيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه . وهذا الخبر وإن كان إلى المبالغة ما هو ، ولكنه في أصله حقيق بالتصديق ، فإن مناقب الرشيد - رحمه اللّه - كثيرة لا تضيق من دونه ، وقد صحت الرواية بأنه ما اجتمع على باب خليفة قبله ما اجتمع على بابه من الشعراء وأهل الأدب ، وقد كان يتفقدهم ويتقدم في طلبهم ويحظيهم ويفضل عليهم ، وما هذه الرواية إلا بسبيل من تلك ، ولتلك أقرب إلى الحق وأعلق بأسباب الزمن . ( 1 ) مما نورده تفكهة وبيانا لاعتقاد العامة من أهل العقول ، أيام كان القلب أكبر من العقل ، ما رواه المسعودي : أن أبا خليفة الفضل بن الحباب الجمحي المتوفى سنة 305 ه - « وكان فصيحا معربا لا يتكلف الإعراب بل صار له كالطبع لدوام استعماله إياه من عنفوان حداثته ، خرج مع بعض أصحابه متفكهين إلى نهر من أنهار البصرة وقد غيروا ظواهر زيهم كيلا يعرفهم الناس ، وكان ذلك أيام المبادئ وهي الأيام التي يثمر فيها الثمر والرطب فيكبسونه في القواصر ( أوعية التمر ) تمرا ؛ وتكون حينئذ البساتين مشحونة بالرجال ممن يعمل في التمر من الأكرة ( الزراع ) وغيرهم ، فلما أكلوا قال بعضهم لأبي خليفة غير مكن له خوفا أن يعرفه من حضر من العمال في النخل : أخبرني ( أطال اللّه بقاءك ) عن قول اللّه عزّ وجلّ : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً هذه الواو ما موقعها من الإعراب ؟ قال أبو خليفة : موقعها رفع ، وقوم ( قوا ) هو أمر للجماعة من الرجال . قال له : كيف تقول للواحد من الرجال وللاثنين ؟ قال : يقال للواحد من الرجال : ق ، وللاثنين قيا ، وللجماعة قوا . قال : كيف تقول للواحدة من النساء ، وللاثنتين ، وللجماعة منهن ؟ قال أبو خليفة : يقال للواحدة في ، وللاثنتين قيا ، وللجماعة قين . قال : فأسألك أن تعجل بالعجلة : كيف يقال للواحد من الرجال والاثنتين والجماعة وللواحدة من النساء والاثنتين والجماعة منهن ؟ قال أبو خليفة ( وهو ينطق ) عجلان : ق ، قيا ، قوا ، قي ، قيا ، قين . وكان بالقرب منهم جماعة من الأكرة ، فلما سمعوا ذلك استعظموه ، وقالوا : يا زنادقة ، أنتم تقرءون